الشوكاني

371

فتح القدير

في الآخرة . وأخرج ابن أبي حاتم عن السدي في قوله ( وتزهق أنفسهم وهم كافرون ) قال : تزهق أنفسهم في الحياة الدنيا ( وهم كافرون ) قال : هذه آية فيها تقديم وتأخير . وأخرج أبو حاتم وأبو الشيخ عن الضحاك في قوله ( فلا تعجبك ) يقول : لا يغررك ( وتزهق ) قال : تخرج أنفسهم ، قال في الدنيا وهم كافرون . وأخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن ابن عباس في قوله ( لو يجدون ملجأ ) الآية قال : الملجأ الحرز في الجبال ، والمغارات : الغيران ، والمدخل : السرب . وأخرج ابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن السدي ( وهم يجمحون ) قال : يسرعون . سورة براءة الآية ( 58 - 60 ) قوله ( ومنهم من يلمزك ) هذا ذكر نوع آخر قبائحهم ، يقال لمزه يلمزه : إذا عابه . قال الجوهري : اللمز العيب ، وأصله الإشارة بالعين ونحوها ، وقد لمزه يلمزه ويلمزه ، ورجل لماز ، ولمزة : أي عياب . قال الزجاج : لمزت الرجل ألمزه وألمزه ، بكسر الميم وضمها : إذا عبته ، وكذا همزته . ومعنى الآية : ومن المنافقين من يعيبك في الصدقات : أي في تفريقها وقسمتها . وروى عن مجاهد أنه قال : معنى ( يلمزك ) يرزؤك ويسألك ، والقول عند أهل اللغة هو الأول كما قال النحاس . وقرئ يلمزك بضم الميم ، ويلمزك بكسرها مع التشديد . وقرأ الجمهور بكسرها مخففة ( فإن أعطوا منها ) أي من الصدقات بقدر ما يريدون ( رضوا ) بما وقع من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ولم يعيبوه ، وذلك لأنه لا مقصد لهم إلا حطام الدنيا ، وليسوا من الدين في شئ ( وإن لم يعطوا منها ) أي من الصدقات ما يريدونه ويطلبونه ( إذا هم يسخطون ) أي وإن لم يعطوا فاجئوا السخط ، وفائدة إذا الفجائية أن الشرط مفاجئ بكر للجزاء وهاجم عليه . وقد نابت إذا الفجائية مناب فاء الجزاء ( ولو أنهم رضوا ما آتاهم الله ورسوله ) أي ما فرضه الله لهم وما أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم من الصدقات ، وجواب لو محذوف : أي لكان خيرا لهم فإن فيما أعطاهم الخير العاجل والآجل ( وقالوا حسبنا الله سيؤتينا الله من فضله ورسوله ) أي قالوا هذه المقالة عند أن أعطاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما هو لهم : أي كفانا الله ، سيعطينا من فضله ويعطينا رسوله بعد هذا ما نرجوه ونؤمله ( إنا إلى الله راغبون ) في أن يعطينا من فضله ما نرجوه . قوله ( إنما الصدقات للفقراء ) لما لمز المنافقون رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في قسمة الصدقات بين الله لهم مصرفها دفعا لطعنهم وقطعا لشغبهم ، و ( إنما ) من صيغ القصر . وتعريف الصدقات للجنس : أي جنس هذه الصدقات مقصور على هذه الأصناف المذكورة لا يتجاوزها ، بل هي لهم لا لغيرهم . وقد اختلف أهل العلم هل يجب تقسيط الصدقات على هذه الأصناف الثمانية ، أو يجوز صرفها إلى البعض